عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )

73

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

فقصرت عنه خطاه ولم يعطه الشعر ما أعطاه لكنه حظى في شعره بالحكم والأمثال واختص بالإبداع في وصف مواقف القتال قال وأنا أقول قولا لست فيه متأثما ولا منه متأثما وذلك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها وأشجع من أبطالها وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها حتى تظن الفريقين فيه تقابلا والسلاحين فيه تواصلا وطريقه في ذلك يضل بسالكه ويقوم بعذر تاركه ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة بن حمدان فيصف لسانه وما أداه إليه عيانه ومع هذا فأني رأيت الناس عادلين فيه عن سنن التوسط فأما مفرط فيه وأما مفرط وهو وأن انفرد في طريق وصار أبا عذره فأن سعادة الرجل كانت أكبر من شعره وعلى الحقيقة وفانه كان خاتم الشعراء ومهما وصف به فهو فدق الوصف وفرق الإطراء ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها السيف الدولة : لا تطلبن كريما بعد رؤيته * أن الكرام بأسخاهم يدا ختموا ولا تبال بسعر بعد شاعره * قد أفسد القول حتى أحمد الصمم انتهى ما قاله ابن الأثير وقال ابن الأهدل ألف أبو تمام كتاب الحماسة وكتاب فحول الشعراء جمع فيه بين الجاهلين والمخضرمين والإسلاميين وكتاب الاختيارات من شعر الشعراء وكان يحفظ أربعة آلاف أرجوزة غير القصائد والمقاطيع وجاب البلاد ومدح الخلفاء وغيرهم وكان قصد البصرة في جماعة من اتباعه وبه شاعرها عبد الصمد بن المعدل فخاف عبد الصمد أن يميل الناس إليه فكتب إليه قبل قدومه : أنت بين اثنتين تبرز للناس * وكلتاهما بوجه مذال أي ماء يبقى بوجهك هذا * بين ذل الهوى وذل السؤال فلما وقف عليه رجع وكتب على ظهر ورقته : أفي تنظم قول الزور والفند * وأنت أنقص من لا شئ في العدد